الغزالي
46
إحياء علوم الدين
أو تظهر عذرا ، فعند ذلك تؤخذ حسناتك التي تعبت فيها عمرك ، وتنقل إلى خصمائك عوضا عن حقوقهم . قال [ 1 ] أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « هل تدرون من المفلس » قلنا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا دينار ولا متاع . قال « المفلس من أمّتى من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته وإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار » فانظر إلى مصيبتك في مثل هذا اليوم ، إذ ليس يسلم لك حسنة من آفات الرياء ومكايد الشيطان ، فإن سلمت حسنة واحدة في كل مدة طويلة ابتدرها خصماؤك وأخذوها . ولعلك لو حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام الليل ، لعلمت أنه لا ينقضي عنك يوم إلا ويجرى على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفى جميع حسناتك ، فكيف ببقية السيئات من أكل الحرام والشبهات ، والتقصير في الطاعات ، وكيف ترجو الخلاص من المظالم في يوم يقتص فيه للجمّاء من القرناء ، فقد روى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين ينتطحان فقال [ 2 ] « يا أبا ذرّ أتدري فيمن ينتطحان ؟ » قلت لا . قال « ولكنّ الله يدرى وسيقضي بينهما يوم القيامة » وقال أبو هريرة في قوله عز وجل * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْه ِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ) * « 1 » إنه يحشر الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم ، والدواب ، والطير ، وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول كونى ترابا . فذلك حين يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا
--> « 1 » الأنعام : 38